مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

282

موسوعه أصول الفقه المقارن

الذي ناله لدى الشيعة ، ورغم إفراد بحث مستقل له في مصادرهم الأصولية ، إلَّاأنَّه أدرج في مصادر القواعد الفقهية ضمن بحوث قاعدة ( اليقين لا يُزال بالشك ) أو ( اليقين لا يزول بالشك ) ، وقد ضمَّ هناك بحوثاً تطبيقية تفتقر إلى التنظير والتحليل ، لا كما نراه في بحوث الشيعة ، رغم الأهميَّة التي أولوها للاستصحاب كأحد موارد قاعدة اليقين المزبورة . إنَّهم يفسِّرون الاستصحاب بثبوت الحالة السابقة دون السعي لتعريف أو تضييق هذه الحالات ، فعلى سبيل المثال يعتمدون قواعد كثيرة لإثبات الحالة السابقة ، من قبيل : أصالة الإباحة أو الحِلّ ، وأنَّ كلَّ شيء حلال حتَّى يُعلم بحرمته ، كما هو حال الأطعمة ، وكذلك أصالة التحريم الواردة في اللحوم ، أي كلّ لحم حرام حتَّى يُعلم تذكيته ، وإذا شكّوا بأمر يحتمل تغييره للحكم المتقدِّم أجروا الاستصحاب لإثبات الحكم المتقدِّم ونفوا احتمال تغييره . أمَّا متأخري الشيعة فقد فصَّلوا في هذا المجال كثيراً وقسّموا - على سبيل المثال - الاحتمال الطارئ أو الشبهة إلى شبهة حكمية - كما هو مورد المثال - وإلى شبهة موضوعية . وفي باب الشروط والأركان ، فقد فرض الشيعة شروطاً وأركاناً كثيرة للاستصحاب ، ضيّقوا من مفهومه من جهة ومن دائرة انطباقه من جهة أخرى ، ليميّزوا بينه وبين قواعد أخرى تدخل في باب اليقين ، لكن لم نرَ هكذا تفاصيل عن أهل السنّة ، وحتَّى المتأخّرين منهم لم يبدو رأياً - سلباً أو إيجاباً - بهذه المستحدثات من البحوث ، وظلَّت عندهم بحوث الاستصحاب بدائية . رغم أنّ بعضهم لايعدّونه دليلًا في ذاته ومصدراً مستقلًا للاستنباط بل إعمالًا لدليل « 1 » ، إلَّاأنَّه يحظى بأهمية فائقة ، تبرز هذه الأهمية من خلال اعتبارهم إيَّاه داخلًا في جُلِّ أبواب الفقه ، بحيث عدَّ بعضهم المسائل المستخرجة على أساس الاستصحاب وقاعدة اليقين عموماً بثلاثة أرباع الفقه أو أكثر ، وسعة استخدام هذه القاعدة يؤيد ذلك « 2 » . وفي مجال الاستدلال على الاستصحاب بالسنّة يستشهد بروايات ربّما لا يمكن الاستشهاد بها على الاستصحاب من منظار شيعي ، وهي وإن استبطنت مفهوماً من مفاهيم القواعد المدرجة تحت اليقين ، إلَّاأنَّ الشيعة باعتبارهم ضيّقوا معنى الاستصحاب وفرضوا شروطاً وأركاناً له جعلوا منه قاعدة لا يمكن الاستدلال عليه بكلّ ما ورد من روايات في مجال اليقين ، إلَّاأنَّ هذا ممكناً من منظار اصوليي أهل السنّة « 3 » .

--> ( 1 ) . انظر : البرهان في أصول الفقه 2 : 171 ، المستصفى 1 : 238 ، أصول‌الفقه ( أبو زهرة ) : 283 ، أصول الفقه الإسلامي ( الشرنباصي ) : 97 - 98 . ( 2 ) . انظر : الأشباه والنظائر ( السبكي ) 1 : 13 - 40 ، الأشباه والنظائر ( السيوطي ) : 7 - 12 ، 50 - 76 ، الأشباه والنظائر ( ابن نجيم ) : 60 - 83 ، شرح القواعد الفقهية : 81 ، القواعد الفقهية ( الندوي ) : 318 . ( 3 ) . انظر : الروايات الواردة عن أهل السنّة والتي استدلَّ بها على الاستصحاب . منها : ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال : « إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأُشكل عليه ، أخَرَج منه شيء أم لا ، فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً » صحيح مسلم 1 : 276 كتاب الحيض ، باب ( 26 ) الدليل على أنّ من تيقَّن الطهارة ثمّ شكّ في الحدث ، فله أن يصلّي بطهارته تلك ح 99 ، السنن الكبرى ( البيهقي ) 1 : 117 كتاب الطهارة ، باب الوضوء من الريح يخرج من أحد السبيلين ، من حديث أبي هريرة . ومنها : ما رواه سعيد بن المسيّب وعبّاد بن تميم عن عمّه [ عبداللَّه بن زيد الأنصاري ] أنّه قال : شُكي إلى النبي صلى الله عليه وآله الرجل يجد الشيء في الصلاة حتى يُخيّل إليه ، فقال : « لاينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً » . سنن أبي داود 1 : 45 كتاب الطهارة ، باب إذا شكّ في الحدث ح 176 .